محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
83
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقال أبو الحسن الورّاق النيسابوري ، رضي اللّه عنه : « من أشعر في نفسه محبة شيء من الدنيا فقد قتلها بسيف الطمع ، ومن طمع في شيء ذلّ ، وبذّله هلك ، وقد قيل في ذلك : أتطمع في ليلى وتعلم أنما * تقطّع أعناق الرجال المطامع فالطامع لا محالة فاسد الدين ، مفلس من أنوار اليقين . قال في التنوير : « وتفقّد وجود الورع من نفسك أكثر مما تتفقّد ما سواه ، وتطهّر من الطمع في الخلق ، فلو تطهّر الطامع فيهم بسبعة أبحر ما طهّره إلّا اليأس منهم ، ورفع الهمّة عنهم » . قال : وقدم علي بن أبي طالب « 1 » ، رضي اللّه تعالى عنه ، البصرة ، فدخل جامعها ، فوجد القصاص يقصّون ، فأقامهم ، حتى جاء إلى الحسن البصري ، رضي اللّه تعالى عنه ، فقال : يا فتى إني سائلك عن أمر فإن أجبتني عنه أبقيتك ، وإلّا أقمتك كما أقمت أصحابك - وكان قد رأى عليه سمتا « 2 » وهديا « 3 » - فقال الحسن : سل عمّا شئت قال : ما ملاك « 4 » الدين ؟ قال : الورع ، قال : فما فساد الدين ؟ قال : الطمع . قال : اجلس فمثلك من يتكلم على الناس . قال : وسمعت شيخنا ، رضي اللّه عنه ، يقول : كنت في ابتداء أمري بثغر الإسكندرية جئت إلى بعض من يعرفني فاشتريت منه حاجة بنصف درهم ، ثم قلت في نفسي : لعله لا يأخذه مني ، فهتف بي هاتف : السلامة في الدين بترك الطمع في المخلوقين . قال : وسمعته يقول : صاحب الطمع لا يشبع أبدا ، ألا ترى أنّ حروفه كلّها مجوّفة : الطاء ، والميم ، والعين . ثم قال بعد هذا : فعليك أيها المريد برفع همتك عن الخلق ، ولا تذلّ لهم ، فقد سبقت قسمته وجودك ، وتقدّم ثبوته ظهورك .
--> ( 1 ) علي بن أبي طالب ( 23 ق ه - 40 ه ( 600 - 661 م ) هاشمي قرشي . رابع الخلفاء الراشدين وأول العشرة المبشرين ، وابن عم النبي صلى اللّه عليه وسلم وصهره ، ومن أكابر الخطباء والعلماء بالقضاء ، وأول الرجال إسلاما ، ولد بمكة . ( الأعلام 4 / 295 ، والرسالة القشيرية ص 108 ، وتهذيب الكمال 13 / 293 ) . ( 2 ) السمت : الطريق والمذهب أو هيئة أهل الخير . ( 3 ) الهدى : الرشاد . ( 4 ) ملاك الأمر : قوامه وخلاصته أو عنصره الجوهري .